الغزالي
180
إحياء علوم الدين
قال : فصاح عتبة الغلام صيحة ، وخرّ مغشيا عليه ، وبقي القوم فرفعت الطعام ، وما ذاقوا والله منه لقمة ، وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب فيشاهد أيضا بالبصر صورة الخضر عليه السلام ، فإنه يتمثل لأرباب القلوب بصور مختلفة ، وفي مثل هذه الحالة تتمثل الملائكة للأنبياء عليهم السلام ، إما على حقيقة صورتها ، وأما على مثال يحاكى صورتها بعض المحاكاة وقد رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] جبريل عليه السلام مرتين في صورته ، وأخبر عنه بأنه سد الأفق وهو المراد بقوله تعالى * ( عَلَّمَه ُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ) * « 1 » إلى آخر هذه الآيات . وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب ، وقد يعبر عن ذلك الاطلاع بالتفرس ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله » وقد حكى أن رجلا من المجوس ، كان يدور على المسلمين ويقول : ما معنى قول النبي صلَّى الله عليه وسلم « اتّقوا فراسة المؤمن » فكان يذكر له تفسيره فلا يقنعه ذلك ، حتى انتهى إلى بعض المشايخ من الصوفية ، فسأله فقال له معناه : أن تقطع الزنار الذي على وسطك تحت ثوبك ، فقال صدقت هذا معناه وأسلم ، وقال الآن عرفت أنك مؤمن ، وأن إيمانك حق وكما حكي عن إبراهيم الخواص ، قال كنت ببغداد في جماعة من الفقراء في الجامع ، فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه ، فقلت لأصحابي يقع لي أنه يهودي ، فكلهم كرهوا ذلك ، فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم ، وقال أي شيء قال الشيخ في ، فاحتشموه فألح عليهم ، فقالوا له : قال إنك يهودي ، قال فجاءني وأكب على يدي ، وقبل رأسي وأسلم وقال نجد في كتبنا أن الصدّيق لا تخطئ فراسته ، فقلت أمتحن المسلمين فتأملتهم ، فقلت إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة ، لأنهم يقولون حديثه سبحانه ، ويقرؤن كلامه فلبست عليكم ، فلما اطلع على الشيخ وتفرس في علمت أنه صديق ، قال وصار الشاب من كبار الصوفية
--> « 1 » النجم : 5 ، 6 ، 7